صديق الحسيني القنوجي البخاري
432
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَرَبٌّ غَفُورٌ أي المنعم بها عليهم رب غفور لذنوبهم ، فجمع لهم بين المغفرة وطيب البلدة ، ولم يجمع ذلك لجميع خلقه ، وقال مقاتل : المعنى : وربكم إن شكرتم فيما رزقكم رب غفور للذنوب ، وقيل : إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام ، قرىء بنصب بلدة وربا على تقدير اسكنوا بلدة واشكروا ربا ، ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم فقال : فَأَعْرَضُوا عن الشكر وكفروا باللّه وكذبوا أنبياءهم قال السدي : بعث اللّه إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم وكذا قال وهب وزاد وقالوا : ما نعرف للّه علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع فذلك إعراضهم ؛ ثم لما وقع منهم الإعراض عن شكر النعمة أرسل اللّه عليهم نقمة سلب بها ما أنعم به عليهم كما قال : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض وكانوا يسقون من الباب الأعلى ، ثم من الثاني ، ثم من الثالث فأخصبوا وكثرت أموالهم فلما كذبوا رسلهم بعث اللّه جرذا ففتقت ذلك الردم حتى انتقض ، فدخل الماء جنتهم فغرقها ودفن السيل بيوتهم ، فهذا هو سيل العرم ، وهو جمع عرمة وهي السكر التي تحبس الماء ، وكذا قال قتادة وغيره . وقال السدي : العرم اسم للسد والمعنى أرسلنا عليهم سيل السد العرم ، وقال عطاء : العرم اسم الوادي ، وقال الزجاج : العرم اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم ، وهو الذي يقال له : الخلد فنسب السيل إليه لكونه سبب جريانه . قال ابن الاعرابي : العرم من أسماء الفار ، وقال مجاهد وابن نجيح العرم : ماء أحمر أرسله اللّه في السد فشقه وهدمه ، وقيل : إن العرم اسم المطر الشديد ، وقيل : اسم للسيل الشديد والعرامة في الأصل الشدة والشراسة والصعوبة ، ويقال : عرم فلان إذا تشدد وتصعب ، وروي عن ابن الاعرابي أنه قال : العرم السيل الذي لا يطاق . وقال المبرد : العرم كل شيء حاجز بين شيئين وعن ابن عباس قال : العرم الشديد ، وعنه قال : واد كان باليمن كان يسيل إلى مكة . وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ أي أهلكنا جنتيهم اللتين كانتا مشتملتين على تلك الفواكه الطيبة ، والأنواع الحسنة ، وأعطيناهم بدلهما جنتين لا خير فيهما ، ولا فائدة لهم فيما هو نابت فيهما ، وتسميتهما جنتين تهكم بهم على طريق المشاكلة ، ولهذا قال : ذَواتَيْ تثنية ذوات مفرد على الأصل لأن أصله ذويه قالوا : وعين الكلمة والياء لامها لأنه مؤنث ذو ، وذو أصله ذوي فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الياء فصار ذوات ثم حذفت الواو تخفيفا وفي تثنيته وجهان تارة ينظر للفظه الآن ، فيقال :